السيد محمد تقي المدرسي
114
العرفان الإسلامي (بين نظريات البشر وبصائر الوحي)
الكبير السيد محمد باقر المشهور ب - ( ميرداماد ) المتوفى عام ( 1040 ه - ) ، ويبدو أنه اتصل لبعض الوقت بالشاه عباس الصفوي ، وكان أول ما التقى به في مدينة مشهد بمحافظة خراسان ، وبدلالة من الشيخ البهائي الذي كان معجباً بتلميذه النابه صدر المتألهين . وبما أن والد ملا صدرا كان ثرياً ، فقد أورثه مالًا كثيراً أغناه عما في أيدي الناس . وأهم ما يميّز سيرة هذا الفيلسوف الأمور التالية : 1 - أنه كان شديداً على نفسه مواضباً لشعائر دينه ، وقد وفق لحج بيت الله الحرام سبع مرات ماشياً ، وتوفي في رحلته الأخيرة في رواحه أو إيابه من بيت الله . 2 - أنه واجه معارضة اجتماعية ، وربما من قبل العلماء المعصارين له ، شأنه في ذلك شأن سائر الفلاسفة في التاريخ الإسلامي ، ولذلك آثر الاعتزال الذي دام زهاء خمسة عشر عاماً ، وذلك في قرية نائية ، وربما كان ذلك استجابة لروح صوفية تشّرب بها في شبابه ، حيث يقول مترجمه الشيخ محمد رضا المظفر : وأشرب المذهب الصوفي الفلسفي ( العرفاني ) الذي كان هو السائد في ذلك العصر ، والذي كان يجهر به حتى مثل الشيخ البهائي ، فانعكس على نفسية هذا الطالب الذكي ، فأولع فيه ولوعاً أخذ عليه جميع اتجاهاته ، وخلق منه صوفياً عرفانياً وفيلسوفاً إلهياً فريداً أقل نظيره أو لا نظير له « 1 » . وخلال عزلته اكتشف أن عليه أن يستغفر الله لما حرفه في البحث الفلسفي ، إذ أن الطريق الحقيقي إلى الله يمر عبر المجاهدات النفسية ، وهكذا يرى أنه قد وصل عبر الارتياض الروحي إلى الحقيقة ، فيقول : فلما بقيت على هذا الحال من الاستتار والانزواء والخمول والاعتزال زماناً مديداً وأمداً بعيداً اشتعلت نفسي لطول المجاهدات اشتعالًا نورياً ، والتهب قلبي لكثرة الرياضات التهاباً قوياً ، ففاضت عليها
--> ( 1 ) ( ) الحكمة الإلهية ، ج 2 ، المقدمة ( د ) .